ابن الجوزي

365

زاد المسير في علم التفسير

قوله تعالى : ( وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة ) في هذه القرية قولان : أحدهما : أنها مكة ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، والجمهور ، وهو الصحيح . والثاني : أنها قرية أوسع الله على أهلها حتى كانوا يستنجون بالخبز ، فبعث الله عليهم الجوع حتى كانوا يأكلون ما يقعدون ، قاله الحسن . فأما ما يروى عن حفصة أنها قالت : هي المدينة ، فذلك على سبيل التمثيل ، لا على وجه التفسير ، وبيانه : ما روى سليم بن عنز ، قال : صدرنا من الحج مع حفصة ، وعثمان محصور بالمدينة ، فرأت راكبين فسألتهما عنه ، فقالا : قتل ، فقالت : والذي نفسي بيده إنها للقرية ، تعني المدينة التي قال الله تعالى في كتابه : ( وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ) ، تعني حفصة : أنها كانت على قانون الاستقامة في أيام النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، ( فكفرت بأنعم الله ) عند قتل عثمان رضي الله عنه . ومعنى ( كانت آمنة ) أي : ذات أمن يأمن فيها أهلها أن يغار عليهم ، ( مطمئنة ) أي : ساكنة بأهلها لا يحتاجون إلى الانتقال عنها لخوف أو ضيق . وقد شرحنا معنى الرغد في البقرة . وقوله : ( من كل مكان ) أي : يجلب إليها من كل بلد ، وذلك كله بدعوة إبراهيم عليه السلام ، ( فكفرت بأنعم الله ) بتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم . وفي واحد الأنعم قولان : أحدهما : أن واحدها " نعم " قاله أبو عبيدة ، وابن قتيبة . والثاني : " نعمة " قاله الزجاج . قال ابن قتيبة : ليس قول من قال : هو جمع " نعمة " بشئ ، لأن " فعلة " لا تجمع على " أفعل " ، وإنما هو جمع " نعم " ، يقال : يوم نعم ، ويوم بؤس ، ويجمع " أنعما " ، و " أبؤسا " . قوله تعالى : ( فأذاقها الله لباس الجوع والخوف ) وروى عبيد بن عقيل ، وعبد الوارث عن أبي عمرو : " والخوف " بنصب الفاء . وأصل الذوق إنما هو بالفم ، وهذا استعارة منه ، وقد شرحنا هذا المعنى في آل عمران . وإنما ذكر اللباس هاهنا تجوزا ، لما يظهر عليهم من أثر الجوع والخوف ، فهو كقوله : ( ولباس التقوى ) وذلك لما يظهر على المتقي من أثر التقوى . قال المفسرون : عذبهم الله بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام المحترقة . فأما الخوف ، فهو خوفهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن سراياه التي كان يبعثها حولهم . والكلام في هذه الآية خرج على القرية ، والمراد أهلها ، ولذلك قال : ( بما كانوا يصنعون ) يعني به : بتكذيبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإخراجهم إياه وما هموا به من قتله .